محمد العريان: التنويع الاقتصادي العربي ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية
د. محمد العريان
الخبير الاقتصادي الدولي ورئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج
د. العريان، شغلت مناصب استشارية في عدد من المؤسسات الدولية الكبرى. كيف تقيّم الوضع الاقتصادي الراهن في المنطقة العربية مقارنة بسنوات سابقة؟
الوضع الاقتصادي العربي يشهد تحولات حاسمة، خاصة بعد تصاعد الضغوط العالمية والتقلبات الجيوسياسية. ما يثير القلق أن عدداً من الدول العربية لا تزال معتمدة بشكل كبير على الموارد الطبيعية الأحادية. لكن هناك علامات إيجابية ملموسة: دول خليجية تحقق نقلة نوعية في برامج التنويع، والقطاع الخاص بدأ يلعب دوراً أكثر ديناميكية من السابق. المشكلة تكمن في أن الخطوات لم تكن سريعة أو جريئة بما يكفي في بعض الحالات.
ترى تجارب دول مثل الإمارات والسعودية في تنويع اقتصاداتها. ما الذي نجحت فيه هذه الدول وأين الثغرات؟
الإمارات والسعودية أظهرتا عزماً سياسياً حقيقياً في التنويع، خاصة عبر برامج رؤيتيهما. النجاح يكمن في جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير القطاعات الجديدة كالسياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. لكن الثغرات باقية: الاعتماد على القرارات الحكومية العليا يضعف المرونة، وسوق العمل يحتاج مرونة أكثر، والتعليم ما يزال لم يواكب احتياجات السوق بشكل كافٍ. الأهم أن الاستدامة طويلة الأجل تتطلب تغييراً في الثقافة الاقتصادية وليس مشاريع واحترافية فقط.
التضخم والركود المالي يهددان الاستقرار. كيف يمكن للدول العربية الصمود أمام هذه التحديات؟
هذا السؤال يقودنا إلى حقيقة مرّة: لا توجد حلول سريعة أو سهلة. الدول العربية تحتاج سياسات نقدية مدروسة تحافظ على التوازن بين الحد من التضخم وتجنب الركود. الحكومات يجب أن تقلل دعمها التدريجي للسلع والخدمات بطريقة مسؤولة، مع ضمان الحماية الاجتماعية للفئات الأضعف. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والمعرفية هو الحصن الأفضل ضد التقلبات الاقتصادية العالمية.
برامج المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحصل على دعم متزايد. هل هذا كافٍ لتحقيق النمو المستهدف؟
دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ضروري وحسن التوقيت، لكنه ليس كافياً وحده. نحتاج إلى منظومة متكاملة: تمويل، تدريب، وصول إلى الأسواق، وقوانين حماية ملكية فكرية قوية. كثير من الحكومات العربية توفر المال لكنها تفشل في توفير البيئة المؤسسية الداعمة. بالإضافة إلى ذلك، نسبة كبيرة من المنشآت الصغيرة تبقى في القطاع غير الرسمي، مما يحد من فعالية السياسات. نحتاج انتقالاً تدريجياً نحو الرسمية مع حوافز قوية.
في رأيك، ما أهم الإصلاحات المؤسسية التي يجب أن تركز عليها الدول العربية خلال السنوات القادمة؟
أولاً، الحوكمة والشفافية. المؤسسات الضعيفة تؤدي إلى قرارات اقتصادية سيئة وهدر للموارد. ثانياً، استقلالية البنوك المركزية والسلطات الرقابية عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل. ثالثاً، إصلاح القطاع العام ليصبح أكثر كفاءة وتنافسية. رابعاً، تقوية دور القضاء في حماية الحقوق والعقود، وهو أساس أي نظام اقتصادي سليم. خامساً، استثمار حقيقي في التعليم والبحث العلمي كمحرك للابتكار. بدون هذه الإصلاحات، أي سياسة اقتصادية ستفشل.
كيف تنظر إلى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العربي المستقبلي؟
التكنولوجيا ليست حلاً سحرياً لكنها أداة قوية جداً إذا استخدمت بحكمة. الذكاء الاصطناعي سيحول طرق الإنتاج والخدمات، وقد يؤدي إلى بطالة تكنولوجية إذا لم نستعد جيداً. الدول العربية تحتاج استثمار جريء في البنية التحتية الرقمية وإعادة تأهيل القوى العاملة. هناك فرصة ذهبية لبناء اقتصاد رقمي عربي قوي، لكن الوقت ينفد. الدول التي تتأخر الآن قد تجد نفسها محاصرة في اقتصاديات منخفضة القيمة. يجب أن نرى التكنولوجيا كوسيلة للنمو الشامل والعادل، وليس فقط كأداة للتكيف مع العولمة.
بعض النقاد يقولون إن سياسات التنويع الحالية تزيد من الفجوات الاجتماعية. هل توافق على هذا التقييم؟
هناك صحة في هذا النقد، وهذا يؤرقني شخصياً. سياسات التنويع غالباً ما تركز على جذب رأس المال الأجنبي والاستثمارات الكبرى، لكنها تترك وراءها قطاعات عريضة من السكان. الفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض قد لا تشعر بفوائد النمو الاقتصادي. هذا يزيد التوتر الاجتماعي ويقلل الاستقرار السياسي على المدى الطويل. نحتاج ما أسميه 'النمو الشامل'، حيث تصل فوائد التنويع إلى جميع طبقات المجتمع. هذا يتطلب سياسات تصاعدية الضرائب، استثمار حقيقي في التعليم والصحة، وضمان الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. بدون هذا، قد نحقق نموا اقتصادياً لكننا نخسر الاستقرار الاجتماعي.
يستعرض الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان رؤيته حول تحديات التنويع الاقتصادي في المنطقة العربية والدروس المستفادة من تجارب الدول الخليجية. يناقش الدكتور العريان أهمية التحول الهيكلي وأثره على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي.

