محمد العريان: الاقتصاد العربي بحاجة إلى "ثورة إنتاجية" وليس مزيداً من الديون
محمد العريان
خبير اقتصادي عالمي ومستشار مالي سابق لصندوق النقد الدولي
في تقييمك الشخصي، ما هي أكبر أزمة تواجه الاقتصادات العربية حالياً؟ وهل نحن بصدد انهيار اقتصادي وشيك أم تصحيح ضروري؟
الأزمة الحقيقية ليست في الأرقام الكبيرة التي نرى، بل في غياب الرؤية الاستراتيجية. معظم الدول العربية تعتمد على نماذج اقتصادية موروثة من سبعينيات القرن الماضي. نحن لا نواجه انهياراً وشيكاً، لكننا نواجه فرصة ضائعة؛ فرصة لإعادة بناء اقتصادات متنوعة ومستدامة. المشكلة أن البعض يفضل الحل السريع عبر الاستدانة، بدلاً من الاستثمار في التعليم والابتكار والإنتاجية.
تحدثت مراراً عن "الفخ المالي" الذي تقع فيه الدول العربية. هل تعتقد أن صناديق الثروة السيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي تمثل حلاً حقيقياً أم مجرد تأجيل للمشكلة؟
صناديق الثروة السيادية أداة مهمة، لكنها ليست بديلاً عن الإصلاحات الهيكلية. صندوق الاستثمارات العامة السعودي على سبيل المثال يقوم بعمل متقدم في تنويع الاستثمارات والبحث عن عوائد طويلة الأجل. لكن المشكلة أنه بينما نستثمر في الخارج، قد نهمل الاستثمار المحلي الحقيقي في البشر والصناعات. الحل الحقيقي يتطلب توازناً: استخدام صناديق الثروة بذكاء، لكن بالتوازي مع إصلاحات جذرية في السياسات المالية والنقدية المحلية.
كثير من الاقتصاديين يحذرون من تأثير أسعار الفائدة المرتفعة عالمياً على الدول العربية المدينة. كيف يمكن للمنطقة التعامل مع هذا الضغط دون الاضطرار إلى تقشف قاسٍ يضر الطبقات الفقيرة؟
هذا السؤال يكشف التناقض في التفكير. لا يمكنك تجنب التقشف إذا استمرت في الإنفاق بأكثر مما تكسب. لكن هناك فرق بين تقشف عشوائي وتقشف ذكي. التقشف الذكي يعني التركيز على كفاءة الإنفاق، وليس على مستوى الإنفاق. يجب التوقف عن الإنفاق على المشاريع غير الإنتاجية، والتركيز على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية التي تزيد الإنتاجية. الطبقات الفقيرة تعاني لأن الدول لم تستثمر في تعليمهم وتدريبهم لعقود؛ إذا استمرنا في نفس المسار، فلن نحل المشكلة.
تتعرضون للنقد لأنكم تركزون على الأرقام والبيانات، وتتجاهلون العوامل الإنسانية والاجتماعية. هل تعترفون بأن الاقتصاد وحده لا يكفي لفهم أزمات المنطقة؟
هذا انتقاد عادل جزئياً، لكنني أختلف مع الفرضية الأساسية. الاقتصاد الجيد لا يتجاهل العوامل الإنسانية؛ بل يدرسها بدقة. عندما أتحدث عن الإنتاجية والتعليم، أنا أتحدث عن الكرامة الإنسانية والفرص. الفقر الحقيقي ليس رقماً إحصائياً؛ إنه الفشل في تمكين الناس. لكن الحقيقة الصعبة أن التنمية الاقتصادية المستدامة هي الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية على المدى الطويل. السياسة والمشاعر مهمة، لكنها لا تطعم الأطفال ولا توفر الوظائف.
بعض صناع القرار العرب يرفضون نصائح صندوق النقد الدولي باعتبارها "إملاءات غربية". كيف ترد على هذا الاتهام؟ وهل للصندوق بالفعل أجندة سياسية مخفية؟
هذا يعكس سوء فهماً شائعاً. صندوق النقد الدولي ليس منظمة خيرية، وليس لديه أجندة سياسية خفية؛ لديه منطق اقتصادي واضح. عندما يقول الصندوق إن السياسة غير مستدامة، فهو يقول الحقيقة، بغض النظر عن جنسية صاحب القرار. المشكلة أن البعض يريد نتائج اقتصادية جيدة دون القيام بالإصلاحات الصعبة. هذا ليس سياسة غربية؛ إنها رياضيات. لا يمكنك الاستمرار في الإنفاق أكثر من إيراداتك; هذا صحيح في الشرق والغرب. لكن نعم، يجب أن يكون لدينا حوار أقوى حول كيفية تنفيذ هذه الإصلاحات بطريقة تحترم السياق المحلي والقيم الاجتماعية.
يقول البعض إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد يكونان "المنقذ" للاقتصاد العربي. هل تشاركون هذا التفاؤل أم تعتقدون أن التكنولوجيا وحدها مجرد "حل سحري"؟
التكنولوجيا أداة قوية، لكنها ليست علاجاً للأمراض الهيكلية. نعم، الذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد الإنتاجية، لكن فقط إذا كان لديك القوى العاملة المؤهلة والبنية التحتية والمناخ الاستثماري المناسب. الدول العربية لا تعاني من نقص في التكنولوجيا؛ بل تعاني من نقص في التعليم والمهارات والجرأة على المخاطرة. دبي وسنغافورة لم تصبحا مراكز مالية لأنهما استخدمتا تكنولوجيا بل لأنهما خلقتا نظاماً يجذب المواهب والاستثمارات. إذا أردنا الاستفادة من التكنولوجيا، يجب أن نبدأ بالناس أولاً.
نهاية المقابلة: إذا كان لديك رسالة واحدة توجهها لقادة الدول العربية حالياً، ما هي؟
رسالتي بسيطة: الوقت لم يعد في صالحكم. كل عام من التأجيل يكلفكم أموالاً أكثر وفرصاً أقل. الثورة الإنتاجية التي تحتاجونها لن تأتي من السياسيين وحدهم؛ ستأتي من شعوبكم إذا أعطيتموهم التعليم والحرية والفرص. استثمروا في الشباب الآن، واختاروا الإصلاح الصعب اليوم على الأزمة الأسوأ غداً. والأهم: توقفوا عن اللوم على الخارج وابدأوا بالنظر في المرآة.
في حوار حصري مع الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان، يناقش رؤيته الجريئة حول أزمات الاقتصاد العربي، والفرص الضائعة في تحقيق التنويع الاقتصادي، وتأثير التضخم العالمي على أسواق الشرق الأوسط. يكشف العريان عن مخاوفه من استمرار الاعتماد على الديون الخارجية والإيرادات النفطية، ويدعو إلى إعادة هيكلة جذرية للسياسات المالية العربية.

