رانيا العريان: كيف غيّرت وسائل التواصل معادلة الصحة النفسية والعافية الرقمية؟
د. رانيا العريان
طبيبة نفسية وإعلامية متخصصة في الصحة العقلية
بدأتِ مسيرتك كطبيبة نفسية تقليدية، ثم انتقلتِ إلى الإعلام والتثقيف الرقمي. ما الذي دفعكِ لهذا التحول، وهل شعرتِ بتضارب بين الدورين؟
رأيت أن عدد المرضى الذين يأتون إلى عيادتي محدود جداً مقارنة بملايين الأشخاص الذين يعانون في صمت بسبب الوصمة الاجتماعية. اخترت أن أكون طبيبة لملايين الناس عبر الإعلام بدلاً من أن أكون طبيبة لعدد قليل في العيادة. لم أشعر بتضارب، بل رأيت أنهما وجهان لعملة واحدة - التثقيف الصحي والعلاج يسيران معاً. المهم أن تكون رسالتك مسؤولة وعلمية.
انتقدك البعض لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في طرح قضايا حساسة كالاكتئاب والقلق. كيف ترين هذا النقد، وهل تشعرين بمسؤولية خاصة في هذا المجال؟
النقد صحيح جزئياً - وسائل التواصل لا تحل محل العلاج الحقيقي، لكنها تخفف الوصمة وتفتح النقاش. أشعر بمسؤولية كبيرة، لذلك أحرص على عدم تقديم تشخيصات أو توصيات طبية عبر المنصات. دوري هو توعية المجتمع وإرشادهم للبحث عن مساعدة متخصصة. أتلقى رسائل يومية من أشخاص يقولون إن محتوايات ساعدتهم على فهم أنفسهم وطلب العون - وهذا ما يدفعني للمتابعة بمسؤولية.
كيف تقييمين حالة الصحة النفسية في المجتمعات العربية اليوم؟ وهل شاهدتِ تحسناً في مستويات الوعي منذ بدء عملكِ الإعلامي؟
الوضع حرج. معدلات الاكتئاب والقلق والاضطرابات النفسية في ارتفاع مستمر، خاصة بين الشباب والنساء. لكن نعم، شاهدت تحسناً ملحوظاً في الوعي - الناس أصبحوا أكثر استعداداً للحديث عن صحتهم النفسية دون خجل. قبل سنوات، كان الاكتئاب يُعتبر ضعفاً أو كسلاً. اليوم، أكثر الناس يفهمون أنه مرض حقيقي يحتاج علاجاً. هذا التحول في الرؤية هو أكبر انتصار حققناه.
هناك جدل حول دور الأدوية النفسية والعقاقير. ما موقفكِ الشخصي من الأدوية، وهل تعتقدين أنها الحل الأمثل أم يجب دمجها مع العلاج النفسي؟
الدواء وحده ليس الحل الكامل، والعلاج النفسي وحده قد لا يكفي أحياناً. الأمثل هو دمج العلاجين معاً - هذا ما أسميه 'الحل المتكامل'. الدواء يخفف الأعراض ويعطيك الطاقة اللازمة للعمل مع المعالج النفسي، والعلاج النفسي يساعدك على فهم جذور المشكلة وتطوير آليات للتعامل معها. كل حالة مختلفة، وكل شخص يستحق خطة علاج مخصصة.
كيف تتعاملين شخصياً مع الضغوط النفسية والإرهاق الذي قد يأتي من عملك الشاق كطبيبة وإعلامية؟ هل تطبقين ما تنصحين به الآخرين؟
أؤمن بأنك لا تستطيع إعطاء الآخرين ما لا تملكه أنت. أنا نفسي أتابع مع معالج نفسي بانتظام، وأعتني بنومي وتغذيتي وممارسة الرياضة. لدي ساعات أبعد فيها هاتفي وأركز على عائلتي. أحياناً أشعر بالإرهاق - وهذا طبيعي وصحي أن أعترف به. المهم أن لا أترك هذا الإرهاق يتحول إلى مرض نفسي دون التعامل معه. أنا إنسانة قبل أن أكون طبيبة.
ما رأيكِ في الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الصحية الناشئة التي تقدم استشارات نفسية؟ هل تعتقدين أنها ستحل مشكلة الندرة في المتخصصين؟
التكنولوجيا أداة مفيدة جداً، لكنها ليست بديلاً عن الطبيب البشري. تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تكون مفيدة لتقديم دعم أولي أو تمارين الاسترخاء، لكن التشخيص والعلاج الحقيقي يحتاج إلى طبيب يفهم التفاصيل الإنسانية المعقدة. نعم، التكنولوجيا تقلل الفجوة والتكاليف، لكن يجب أن نكون حذرين من إعطاء الناس إحساساً كاذباً بأنهم يتلقون علاجاً حقيقياً.
ما مشاريعكِ القادمة؟ وهل تخططين لتوسيع عملكِ خارج الإعلام التقليدي والرقمي؟
أعمل على تطوير برنامج تدريبي لتدريب متخصصين شباب في مجال الصحة النفسية بطرق عصرية وتفاعلية. أيضاً، أحلم بإنشاء مركز استشارات متخصص يجمع بين الطب النفسي التقليدي والعلاجات الحديثة والدعم الرقمي. المستقبل يجب أن يكون متعدد الطبقات - من الإعلام التوعوي إلى العلاج المتاح والمُيسر. الهدف النهائي واحد: أن تصبح الصحة النفسية ضرورة وليست رفاهية في المجتمع العربي.
كلمة أخيرة تودين توجيهها للمستمعين والمتابعين الذين قد يعانون من مشاكل نفسية لم يتحدثوا عنها؟
أقول لكم: طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل هو شجاعة. أنتم لستم وحدكم، والملايين في العالم يمرون بما تمرون به. المرض النفسي مثل أي مرض جسدي - يحتاج تشخيصاً وعلاجاً. لا تخجلوا، لا تنتظروا، لا تعانوا في صمت. ابحثوا عن مساعدة متخصصة، وسيكون كل شيء أفضل. أنا هنا دائماً لسماعكم وتوجيهكم نحو النور.
الدكتورة رانيا العريان، الطبيبة النفسية والإعلامية المصرية البارزة، تشاركنا رؤيتها حول دور التكنولوجيا في نشر الوعي الصحي والنفسي، وكيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي منبراً فعّالاً لمعالجة التابوهات الاجتماعية. تتناول المقابلة تجربتها الفريدة في دمج الطب النفسي بالعمل الإعلامي.

