محمد الباردي: "الإصلاح المؤسسي ضرورة حتمية وليس خيارًا سياسيًا"
محمد محمود الباردي
مرشح إصلاح سياسي وخبير دولي سابق في الطاقة الذرية
تشغلك قضايا الإصلاح المؤسسي منذ عقود، لكن هل تشعر بأن المنطقة تتحرك فعلاً نحو التغيير الحقيقي أم أن الخطاب يتفوق على الممارسة؟
للأسف، هناك فجوة كبيرة بين الخطاب والواقع في معظم الدول العربية. رأيت هذا عن قرب في عملي الدولي والإقليمي. الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة سياسية قوية وشفافية وفصلاً حقيقياً للسلطات، وهذه عناصر لا تزال غائبة في كثير من الأحيان. ما نحتاجه هو تحول منهجي في البنى المؤسسية وليس مجرد تعديلات شكلية.
في خبرتك الدولية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هل وجدت فرقاً في كيفية تعامل الدول الديمقراطية والاستبدادية مع المؤسسات الدولية؟
بكل تأكيد. الدول ذات النظم الديمقراطية تميل إلى احترام استقلالية المؤسسات الدولية والشفافية في عملياتها، حتى لو اختلفت معها سياسياً. أما الدول الاستبدادية فغالباً ما تحاول السيطرة أو التأثير على هذه المؤسسات لصالح مصالح ضيقة. هذا يضعف آليات المراقبة والمساءلة الدولية. والمشكلة أن هذا النمط ينعكس أيضاً على المستوى الداخلي في إدارة المؤسسات الحكومية المحلية.
كان لك موقف معارض واضح تجاه بعض الممارسات السياسية في مصر، ما الذي يدفعك للاستمرار في الكلام رغم الضغوط؟
الواجب الأخلاقي أولاً وقبل كل شيء. عندما تملك معرفة ومنصة، يصبح الصمت تواطؤاً. تجربتي الدولية وحصولي على جائزة نوبل للسلام لم تكن لتكون معنى إن لم أستخدمها من أجل قيم حقيقية. قد تكون هناك ضغوط وتضحيات شخصية، لكن البديل—وهو الاستسلام—أخطر بكثير على المدى الطويل. الصمت يقوي المسؤولين عن الانتهاكات.
هناك من يقول إن حديثك عن الإصلاح والديمقراطية يفتقر للواقعية في سياق منطقة تواجه تهديدات أمنية واقتصادية حادة. كيف تجيب؟
هذا الجدل قديم وخاطئ. الديمقراطية والإصلاح المؤسسي ليسا ترفاً فقط؛ بل هما الأساس لحل التحديات الأمنية والاقتصادية الحقيقية. الدول التي تفتقر للشفافية والمساءلة تستنزف موارد ضخمة في البيروقراطية الفاسدة والقمع، مما يضعفها اقتصادياً وأمنياً. الإصلاح الحقيقي ليس خياراً ثانوياً؛ إنه استثمار في الاستقرار والنمو طويل الأمد.
الشباب العربي يبدو محبطاً من الواقع السياسي الحالي. ما هو الأمل الذي تقدمه لهم؟
الأمل يأتي من الإدراك أن التغيير ممكن، وأنه يبدأ بالضغط المستمر على المؤسسات وفضح الفساد والمحاسبة. شاهدنا هذا في موجات احتجاجات عديدة عبر المنطقة. الشباب اليوم لديهم أدوات (وسائل التواصل والإعلام الرقمي) لم تكن متاحة في أجيالنا السابقة. المطلوب هو الصبر والاستراتيجية والتعاون الجماعي. لا يمكن للقمع أن يستمر للأبد أمام إرادة شعبية منظمة.
هناك نقد يقول إنك بقيت بعيداً عن المشاركة السياسية المباشرة. لماذا اخترت دور الناقد بدلاً من دور صانع القرار؟
لم يكن خياراً سهلاً. حاولت الدخول إلى الساحة السياسية بشكل مباشر في فترات معينة، لكن الواقع السياسي في المنطقة يحد من فعالية ذلك. الناقد المستقل أحياناً يكون له تأثير أكبر لأنه لا يُقيد بالسياسات الحكومية أو التحالفات الضيقة. يمكنني أن أتحدث باسم المبادئ وليس باسم مصالح حزبية. هذا لا يعني الاستسلام، بل هو اختيار استراتيجي للحفاظ على الاستقلالية والتأثير الأخلاقي.
إذا أُتيحت لك فرصة واحدة لتغيير سياسة أو قانون في مصر الآن، ما هو اختيارك الأول؟
بدون تردد: استقلالية القضاء. كل المشاكل الأخرى تتفرع من هذه النقطة الأساسية. عندما يكون القضاء مستقلاً حقاً، تصبح المساءلة ممكنة، والفساد يُكافح فعلياً، والحقوق الأساسية تُحمى. القضاء المستقل هو الحارس الحقيقي للدستور والقوانين. بدونه، أي إصلاح آخر سيبقى ناقصاً وقابلاً للتعطيل. هذا هو الأساس الذي تُبنى عليه كل الديمقراطيات الناجحة.
كلمة أخيرة لقراء جمهرة حول الأمل والمستقبل في المنطقة؟
التاريخ يعلمنا أن أصعب الأنظمة انهارت عندما فقدت شرعيتها الشعبية. التغيير ليس مستحيلاً؛ إنه يحتاج صبراً، تنظيماً، وإرادة جماعية. للمنطقة مستقبل واعد إذا اختارت طريق الشفافية والعدالة والمساءلة. أنا متفائل لأن الشباب العربي يمتلك القدرات والوعي. ما نحتاجه هو المثابرة والأمل الحقيقي، لا الحنين أو الاستسلام.
حوار حصري مع رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق ومرشح الإصلاح المصري محمد الباردي حول رؤيته للإصلاح المؤسسي والديمقراطية في العالم العربي. يناقش الباردي تجربته في القطاع العام والدولي وتطلعاته لمستقبل المنطقة.

