الناشط الحقوقي معاذ عمارة: المجتمع المدني العربي يواجه تضييقات غير مسبوقة والحوار هو الطريق
في مقابلة حصرية مع منصة جمهرة، يحدثنا معاذ عمارة، الناشط الحقوقي والمؤسس المشارك لشبكة 'الحرية والعدالة' عن تحديات المجتمع المدني في المنطقة العربية والدور المتنامي للتكنولوجيا في حماية الحقوق. يسلط عمارة الضوء على أزمة المساحة المدنية وضرورة إعادة صياغة النموذج الحقوقي العربي في ظل الضغوط الجديدة والفرص الرقمية المتاحة.
معاذ عمارة
ناشط حقوقي ومؤسس شبكة 'الحرية والعدالة'
تشهد دول عربية عديدة تراجعاً في مساحة المجتمع المدني والحريات الأساسية — كيف تقيّم الوضع الحالي على المستوى الإقليمي؟
الوضع يتطلب قراءة واقعية لا تخضع للمزايدات السياسية. نحن نشهد تضييقات حقيقية على حرية التعبير والتنظيم والتجمع، لكن هذا لا يعني اليأس الكامل. هناك نوافذ للعمل — خاصة عبر المنصات الرقمية والعمل المحلي المجتمعي. المشكلة أن كثيراً من المنظمات تقبل بدور ثانوي، بينما يجب أن تكون حارسة الحقوق الحقيقية. نحتاج إلى استعادة الثقة بيننا وبين المجتمعات التي نعمل فيها أولاً.
هناك انتقادات من داخل القطاع الحقوقي لتمويل هذه المنظمات من جهات خارجية — كيف ترد على هذا؟
هذا نقاش حقيقي وليس تجاهله هو الحل. نعم، كثير من المنظمات تتلقى دعماً خارجياً، لكن هذا لا يعني فقداناً للاستقلالية بالضرورة. المهم أن تكون لديك رؤية واضحة وقيم أساسية لا تتنازل عنها مقابل أي تمويل. شبكتنا تعمل على تنويع مصادر التمويل وتعزيز الدعم المحلي. لا يمكننا الاعتماد كلياً على جهات خارجية، لكن نفي دورها تماماً هو براغماتية سيئة — الحقوق الإنسانية عالمية وليست حكراً على دول بعينها.
كيف ترى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في حماية الحقوق والتوثيق، خاصة في ظل الرقابة المتزايدة؟
التكنولوجيا سلاح ذو حدين بالفعل. من جهة، توفر أدوات توثيق قوية وتشفير متقدم يحمي الناشطين، وتسهل نشر المعلومات بسرعة. من جهة أخرى، الأنظمة الاستبدادية تستخدم نفس التقنيات للمراقبة. لكننا لا نستسلم — نستثمر في تدريب الناشطين على الأمان الرقمي وتطوير منصات لا مركزية. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحليل أنماط الانتهاكات وتوقعها، وهو ما نعمل عليه حالياً مع شركاء تقنيين.
هل تعتقد أن هناك أمل في إحداث تغيير حقيقي دون الانتظار لتغيير سياسي شامل؟
هذا السؤال يعكس مأساة واقعنا — أن كثيراً منا يرى التغيير السياسي الكامل شرطاً أساسياً لأي تحسن. لكن التاريخ يعلمنا أن التغيير الاجتماعي يسبق السياسي في الكثير من الأحيان. يمكنك أن تغير الوعي الحقوقي، أن تبني شبكات مجتمعية قوية، أن تفرض معايير أخلاقية على المؤسسات الخاصة، وكل هذا بدون انتظار حكومة جديدة. التغيير التراكمي موجود ويحدث، لكنه بطيء والصبر ليس ترفاً — إنه استراتيجية.
المنظمات الحقوقية غالباً ما تعاني من انقسامات داخلية وتنافسات على الموارد — كيف يمكن توحيد الجهود؟
هذا من أكبر عيوبنا الداخلية. لدينا أنانيات مؤسسية وتنافسات شخصية تضعف تأثيرنا الجماعي. لذلك أسسنا شبكتنا على مبدأ التعاون اللامركزي — كل منظمة تحتفظ باستقلاليتها لكن نعمل معاً في حملات مشتركة. هناك نقاش جارٍ الآن عن 'جبهة موحدة' للدفاع عن الحقوق في المنطقة، وأنا متفائل برغم الصعوبات. الضغوط الخارجية تجبرنا على الاتحاد — إما نتحد أو نُهزم.
ما رأيك بانتقادات تقول إن المنظمات الحقوقية تركز على 'حقوق الملحقات' وتهمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً؟
انتقاد عادل وأنا أتفق به جزئياً. كنا نركز كثيراً على الحريات السياسية والمدنية — وهي مهمة طبعاً — لكن أهملنا ملايين الأشخاص الذين يعانون من الفقر والبطالة والتهميش. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست 'ملحقات' بل جزء أساسي من كرامة الإنسان. نحن الآن نعيد توازن استراتيجيتنا لشمول حق التعليم والصحة والعمل اللائق. المدينة الفقيرة لا تحتاج فقط للحرية — تحتاج وظيفة وتعليماً وصحة.
كيف تدير العلاقة بين النقد الذاتي والدفاع عن القطاع الحقوقي أمام الهجمات السياسية؟
هذا توازن دقيق جداً. من ناحية، يجب أن نكون نقاداً قاسيين لأنفسنا — لأنك إن لم تنقد نفسك سيقيمك آخرون بمعايير أقل رحمة. من ناحية أخرى، حين تأتي انتقادات سياسية — خاصة ممن يخافون من الحقوق الإنسانية — يجب أن نقف موحدين. أحياناً أجد نفسي أدافع عن منظمات أختلف معها برؤاها، لأن دفاعي عن الحق أكبر من خلافاتي الإيديولوجية معهم. لا يمكن أن نكون ضحايا للانقسام الذي يريده خصومنا.
ما رسالتك الشخصية للأجيال الجديدة من الناشطين الحقوقيين في العالم العربي؟
أقول لهم: الطريق طويلة ومحبطة أحياناً، لكنها ضرورية. لا تتوقعوا انتصارات كبرى بسرعة، بل ركزوا على الانتصارات الصغيرة — طفل عاد للمدرسة، عامل استرجع حقه، سجين أُفرج عنه. أيضاً، لا تحاربوا لوحدكم — ابنوا مجتمعات، اختاروا حلفاء حقيقيين، تعلموا من الأخطاء. والأهم: ابقوا إنسانيين — لا تصيروا مثل من تحاربونهم. كل حق تنتزعونه، افعلوا ذلك برحمة وعقل.
