الشيخ عبدالله بن بيه: الاعتدال الديني طريق السلام وليس الانعزالية
في مقابلة حصرية، يحدثنا الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلام في المجتمعات المسلمة، عن رؤيته لدور العلماء في مواجهة التطرف والعنف. يناقش التحديات التي تواجه الخطاب الديني الوسطي في الشرق الأوسط وإفريقيا، وكيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تساهم في بناء جسور بين الحضارات.
الشيخ عبدالله بن بيه
رئيس منتدى تعزيز السلام في المجتمعات المسلمة، وعالم دين موريتاني
الشيخ بن بيه، كثيراً ما تركز على مفهوم الاعتدال الديني في خطابك. كيف تعرّف الوسطية الحقيقية في الإسلام، وهل هي بالفعل بديل فعّال أمام تصاعد الفكر المتطرف؟
الوسطية ليست مجرد موقف سياسي بل هي جوهر الفكر الإسلامي الأصيل. نحن نؤمن أن الدين جاء لتحقيق مصالح الإنسان وحفظ كرامته، وليس لنشر العنف والكراهية. الاعتدال يعني الحوار المستمر مع الآخر واحترام تنوعه، وهذا ليس ضعفاً بل قوة حقيقية. المتطرفون يستغلون فراغات فكرية وتهميش اجتماعي، لكن دورنا أن نقدم خطاباً يُلهم ويُجمع بدلاً من أن يُفرّق ويُحرّض.
منتدى تعزيز السلام الذي تقوده يعمل في بيئات معقدة جداً، خاصة في الساحل الإفريقي والشرق الأوسط. ما أكبر تحدٍ تواجهونه في نشر رسالة السلام هناك؟
التحدي الأكبر هو المنافسة غير المتكافئة. المتطرفون لديهم موارد هائلة وخطاب حماسي يستقطب الشباب، بينما رسالتنا تتطلب صبراً وتفكيراً عميقاً. كما أن الفساد والفقر والحروب الأهلية تخلق بيئة خصبة للتطرف، فلا يكفي الخطاب الديني وحده بدون سياسات اقتصادية واجتماعية حقيقية. نحاول بناء شبكات من العلماء المعتدلين والناشطين المحليين لتعزيز السلام على الأرض.
هناك انتقادات توجه لكم من تيارات إسلامية أخرى بأن منتداكم يقترب من وجهات نظر غربية. كيف تردون على هذه الاتهامات؟
هذا الاتهام قديم وغير دقيق. السلام والتسامح والعدل مبادئ إسلامية قبل أن تكون غربية. القرآن يقول 'لا إكراه في الدين' و'ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة'، وهذا واضح جداً. من يتهمنا بالتغريب قد يكون مشروطاً بأيديولوجية صارمة تنسى روح الإسلام. نحن لا نستورد أفكاراً، بل نعود إلى جذور ديننا الحقيقية.
في السنوات الأخيرة، شهدنا تغييرات في مواقف بعض الحكومات العربية والإسلامية تجاه الخطاب الديني. هل شعرتم بتحول إيجابي نحو دعم الاعتدال؟
نعم، هناك تطور لافت خاصة بعد أن أدركت الحكومات أن التطرف تهديد أمني واقتصادي حقيقي. بعض الدول بدأت تستثمر في تطوير الخطاب الديني والتعليم الديني المعتدل. لكننا نبقى حذرين، فالدعم الحكومي مهم لكن يجب أن لا يقيد استقلاليتنا الفكرية. دورنا أن نكون صوتاً مستقلاً يراقب ويصحح ويقترح، وليس مجرد أداة تنفيذية للسلطة.
تقودون مبادرات تجاه اللاجئين والنازحين. ما دور المؤسسات الدينية في معالجة أزمات اللجوء والهجرة القسرية؟
الدين يأمرنا برحمة الغريب والمسكين. اللاجئون والنازحون هم ضحايا حروب وصراعات لم يختاروها، وإعادة استقبالهم وإعادة دمجهم مسؤولية أخلاقية وإنسانية. المؤسسات الدينية بإمكانها تحشيد المجتمعات المحلية لقبول اللاجئين وتوفير الحماية والتعليم. نحن نعمل مع المجتمعات المضيفة لتقليل التوترات، وفي الوقت نفسه ندعم النازحين نفسياً روحياً.
كيف ترى دور التكنولوجيا والإعلام الرقمي في نشر الخطاب الديني الوسطي؟ هل تملكون استراتيجية واضحة لمواجهة المحتوى المتطرف على الإنترنت؟
التكنولوجيا سلاح ذو حدين. المتطرفون احترفوا استخدامها بكفاءة عالية، وحان دورنا أن نستثمر فيها أيضاً. ندرس كيفية إنتاج محتوى ديني معتدل جذاب وسهل الفهم، ونعمل على تطوير تطبيقات تعليمية وتوعوية. لكن لا يكفي المحتوى الجيد وحده؛ نحتاج إلى تعليم رقمي يعلّم الشباب التفكير النقدي والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.
ما الحوار الذي تود أن تجريه مع تيارات إسلامية معارضة، وهل هناك نقاط التقاء ممكنة؟
حوار حقيقي يقوم على احترام الآخر واستقلالية الفكر. نعم، هناك نقاط التقاء كثيرة: الجميع يؤمن بالإسلام، الجميع يريد الخير لأمته. الاختلاف في التفسير والمنهج طبيعي وصحي. ما يزعجني أن بعضنا يرى الخلاف كعداوة. أدعو جميع الفاعلين الدينيين للجلوس على طاولة واحدة، لا لإلغاء خلافاتنا بل لإدارتها بحكمة وتركيز على المشترك.
شخصياً، كيف تتعاملون مع التهديدات والضغوط التي تتعرضون لها بسبب مواقفكم؟ هل هناك لحظات شعرت فيها باليأس؟
نعم، هناك تهديدات وضغوط كثيرة، لكن إيماني بأن الحق سينتصر في النهاية يمنحني القوة. اليأس جزء من الطريق، لكني أتذكر الآية الكريمة 'إن مع العسر يسراً'. الشهداء والعلماء الذين جاءوا قبلي تحملوا أصعب بكثير. ما أقدمه ليس بطولة بل واجب، وتكلفته هي ثمن الاختيار والالتزام. الأمل يأتي من رؤية الشباب يتغير تفكيرهم، ومن سماع قصص سلام حقيقية في الميدان.

