الدكتور علي جمعة: الإسلام السياسي والتطرف.. حوار صريح حول مستقبل الفكر الديني
في مقابلة حصرية مع الدكتور علي جمعة، المفتي المصري السابق والعالم الأزهري البارز، نناقش رؤيته حول تجديد الخطاب الديني ومواجهة التطرف الفكري. يكشف جمعة عن موقفه الحاد من الجماعات الإسلامية المتطرفة ودوره في مكافحة الإرهاب الفكري من داخل المؤسسة الدينية.
الدكتور علي جمعة
مفتي مصر السابق وعالم أزهري وعضو هيئة كبار العلماء
فضيلة الدكتور، لماذا اتخذتم موقفاً حاداً وصريحاً ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة بينما لا تزال بعض المؤسسات الدينية حذرة في انتقاداتها؟
المسؤولية الدينية والأخلاقية تحتم علينا أن نكون واضحين جداً. الإرهاب والتطرف لا يمثلان الإسلام بأي حال من الأحوال، وإسكات الصوت أو اللجوء للغموض يعني نحن شركاء في هذا الجريمة. التاريخ سيحاسبنا على صمتنا. أنا اخترت الوضوح والجرأة، لأن ديننا قيم إنسانية وسلام، والمسؤولية تقتضي محاسبة من يشوهون صورته.
في رأيكم، ما الفرق بين النقاش السياسي الشرعي والاستغلال الديني للسياسة الذي نشهده في المنطقة؟
الفرق جوهري وليس هامشياً. الإسلام السياسي الحقيقي يقوم على العدل والحرية والمساواة والتشاور. أما ما نشهده من استغلال فهو استخدام النص الديني كأداة سلطة وضغط واستبداد. الجماعات التي تطالب بتطبيق الشريعة لكن تقتل وتفجر، هؤلاء يكذبون على أنفسهم قبل أن يكذبوا على الناس. المسلمون العقلاء يجب أن يميزوا بوضوح بين من يريد الخير الحقيقي ومن يريد السلطة فقط.
حضرتك كنتم مفتياً لمصر لسنوات. هل شعرتم بحرية كافية في نقد الأنظمة السياسية، أم أن المؤسسة الدينية محاصرة بين الضغوط السياسية والشارع؟
المؤسسات الدينية في العالم العربي تواجه معضلة حقيقية. هناك ضغوط من السلطة من جهة، وضغوط من التيارات الإسلامية المتشددة من جهة أخرى. لكنني آمن أن المؤسسة الدينية الحقيقية يجب أن تكون مستقلة فكرياً حتى لو اختلفت مع أي نظام. الأزهر له رسالة حضارية تتجاوز السياسة الآنية. قد تكون الحرية محدودة أحياناً، لكن هذا لا يعفينا من المسؤولية الأخلاقية.
يقول البعض أن تجديد الخطاب الديني قد يؤدي لتضعيف الثوابت الإسلامية. كيف ترد على هذا الاتهام؟
هذا سوء فهم شائع جداً. التجديد لا يعني تغيير العقيدة أو الثوابت الأساسية، بل يعني إعادة قراءة النصوص بما يتناسب مع معطيات العصر. الأزهر جدد منذ قرون دون أن يفقد ثوابته. الإسلام دين يراعي الحكمة والمصلحة والتطور. من يرفضون التجديد ينسون أن السلف الصالح نفسه كانوا مجددين في عصرهم. الثابت هو الأصول، المتغير هو التطبيق والفهم.
كيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تصل إلى الشباب المتطرفين في الشارع والإنترنت قبل أن تصل إليهم الجماعات الإسلامية؟
هذا السؤال يمس قلب المشكلة. المؤسسات الدينية الرسمية فشلت في التواصل مع الشباب لأنها بقيت في الدور والمساجد بينما الشباب في الإنترنت والشارع. نحتاج لاستراتيجية عملية: أولاً، تدريب علماء شباب يفهمون لغة المرحلة. ثانياً، استخدام التكنولوجيا والإعلام الرقمي. ثالثاً، الاستماع الحقيقي لهمومهم بدل الوعظ فقط. الشباب يريد إجابات حقيقية على أسئلة حقيقية، ليس كلاماً معاد.
هناك من يرى أن الأزهر نفسه بحاجة لإصلاحات هيكلية. ما رأيكم كشخص عمل بداخله لعقود؟
الأزهر مؤسسة حضارية عظيمة تاريخها أكثر من ألف سنة، لكن كأي مؤسسة إنسانية، تحتاج لتطوير مستمر. نعم، هناك بيروقراطية قد تعوق الابتكار أحياناً. نعم، هناك نقص في استقلالية الرأي في بعض المراحل. لكن هناك أيضاً كفاءات عظيمة وعلماء حقيقيين. الإصلاح يجب أن يكون من الداخل، بحب الأزهر وليس ببغضه. والمهم أن تبقى رسالته واضحة: نشر العلم الديني الصحيح ومحاربة الجهل والتطرف.
هل تعتقد أن التطرف الديني سيزول يوماً ما أم أنه لازمة مستمرة للمجتمعات العربية؟
التطرف ظاهرة إنسانية لن تختفي تماماً، لكنها قابلة للتحكم والتقليل. كل دين وأيديولوجية يواجهان من ينحرفان بها. لكن يمكننا بالتعليم الصحيح والحوار الحقيقي والعدالة الاجتماعية أن نجفف منابع التطرف. المجتمعات التي توفر تعليماً قوياً وحرية فكرية واقتصاداً عادلاً تجد أن معدلات التطرف أقل بكثير. ليست المسؤولية على رجال الدين وحدهم، بل على المجتمع كله: سياسة، اقتصاد، تعليم، إعلام.
ما رسالتكم الشخصية للعلماء الشباب في العالم العربي الذين يريدون إحداث تغيير حقيقي؟
أقول لهم: ادرسوا التراث جيداً لكن لا تنغلقوا فيه. افهموا عصركم وحاوره. كونوا شجعاناً في قول الحق حتى لو أغضب السلطة أو الجماهير. ثقتكم يجب أن تكون بالله أولاً وليس بأحد. تعاملوا مع الناس برحمة وحكمة. لا تحاولوا فرض آرائكم، بل اقنعوا بالدليل. وتذكروا أن مسؤولية العالم أكبر من مسؤولية أي شخص آخر، لأن كلماتكم قد تؤثر على ملايين الناس. فليكن اختياركم للدقة والعدل والشجاعة.

