في لقاء حصري مع عميد الرواية العربية، نستعرض مسيرة نجيب محفوظ الحافلة، ونغوص في رؤاه الفكرية والأدبية التي شكلت وجدان أجيال، ونبحث في علاقته المتأرجحة بالمجتمع والسلطة.
الأستاذ نجيب محفوظ
أديب عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب
الأستاذ نجيب، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات الأدبية، ما هو السؤال الذي لم يطرح عليك بعد وتتمنى الإجابة عليه؟
ربما السؤال عن سر تعلقي بالقاهرة وحاراتها رغم كل ما رأيته من تغيرات. القاهرة هي الروح، هي الذاكرة، هي مصدر إلهامي الذي لم ينضب قط. هي ليست مجرد مدينة، بل كائن حي يتنفس داخل كتاباتي، وأظن أن هذا التعلق لا يزال يحمل الكثير مما لم يُفهم كاملاً.
واجهت رواياتك في أحيان كثيرة ردود فعل عنيفة، ووصل الأمر إلى محاولة اغتيال. كيف تنظر إلى مفهوم حرية الإبداع في ظل هذه التحديات؟
حرية الإبداع خط أحمر، هي أساس وجود أي فكر حي. لا يمكن للأديب أن يكون شاهداً حقيقياً على عصره إذا قيدته المحرمات. أما عن العنف، فهو دليل على أن الكلمة لا تزال تخيف، وهذا بحد ذاته يؤكد قوتها وأهميتها. الفن يجب أن يثير الأسئلة، لا أن يقدم الإجابات الجاهزة، وهذا ما يزعج البعض.
الكثيرون يعتبرون أعمالك مرآة للمجتمع المصري في فترات تاريخية مختلفة. هل كنت تكتب بقصد توثيق التاريخ أم أن ذلك كان نتاجاً طبيعياً لالتزامك الفني؟
لم أكن أكتب بقصد التوثيق التاريخي المباشر، بل كنت أكتب عن الإنسان المصري في بيئته وظروفه. التاريخ يظهر في الخلفية، كمسرح للأحداث والشخصيات. اهتمامي الأساسي كان بالروح الإنسانية وصراعاتها مع الواقع والوجود، والتغيرات الاجتماعية كانت جزءاً لا يتجزأ من هذا الصراع.
في أعمالك، نلاحظ حضوراً قوياً للشخصيات النسائية المعقدة. ما الذي دفعك لإعطاء المرأة هذا الدور المحوري في رواياتك؟
المرأة هي نصف المجتمع، بل ربما الروح المحركة له في كثير من الأحيان. شخصياتي النسائية تعكس قوة المرأة، صبرها، ذكائها، وتأثيرها العميق على محيطها. رأيت فيهن تجسيداً لكفاح الإنسان وحياته في مواجهة التحديات الاجتماعية والنفسية. لا يمكن فهم مجتمع دون فهم دور المرأة فيه.
بعد حصولك على جائزة نوبل، تغيرت نظرة العالم إليك وإلى الأدب العربي. كيف أثرت هذه الجائزة على مسؤوليتك كأديب؟
جائزة نوبل كانت بمثابة اعتراف بالأدب العربي ككل، وليس لي وحدي. لقد حملتني مسؤولية أكبر في تمثيل هذا الأدب العظيم أمام العالم. لم تغير الجائزة من قناعاتي أو أسلوبي، لكنها جعلتني أدرك أن صوتي أصبح مسموعاً على نطاق أوسع، مما زاد من إصراري على الكتابة الصادقة والعميقة.
تحدثت كثيراً عن الفساد السياسي والاجتماعي في أعمالك. هل ترى أن الأدب قادر على إحداث تغيير حقيقي في المجتمعات؟
الأدب ليس عصا سحرية لتغيير الواقع بين عشية وضحاها. لكنه بالتأكيد مرآة تكشف عورات المجتمع، ونافذة تطل على آماله وآلامه. الأدب يغرس الوعي، ويثير النقاش، ويحرك الضمائر، وهذا هو جوهر التغيير الحقيقي. التغيير يبدأ من الفرد، والأدب قادر على إيقاظ هذا الفرد.
ما هو نصيحتك للأجيال الشابة من الكتاب العرب في ظل التحديات التي تواجه ثقافتنا العربية اليوم؟
نصيحتي لهم أن يكونوا صادقين مع أنفسهم ومع فنهم. أن يقرأوا كثيراً، لا فقط الأدب العربي بل العالمي أيضاً، وأن يتعمقوا في فهم إنسانهم ومجتمعهم. وأن لا يخافوا من التجريب أو من التعبير عن آرائهم. فالقوة الحقيقية للأديب تكمن في قدرته على التحدي والتساؤل المستمر.
لو عدت بالزمن إلى بداية مسيرتك الأدبية، هل هناك شيء كنت ستفعله بشكل مختلف؟
ربما كنت سأغامر أكثر في بعض الموضوعات التي قد أكون ترددت في الاقتراب منها بشكل كامل في البداية. لكن بشكل عام، أنا راضٍ عن مسيرتي. كل خطوة، كل تجربة، شكلتني ودفعتني إلى الأمام. الحياة هي مجموعة من الاختيارات والتعلم المستمر، ولا أرى ندمًا كبيراً.
هذا حوار متخيّل، يحاكي مقابلة حقيقية استندنا فيها بشكل أساسي إلى مقابلات وتصريحات حقيقية وإلى البيانات المنشورة حول ضيفنا وأعماله.

