الروائية غالية الدعيع: الرواية العربية تخاف من الأسئلة الصعبة والمرأة الكاتبة لا تزال تحت المجهر
تحاور منصة جمهرة الروائية والناقدة السعودية غالية الدعيع حول واقع الرواية العربية وتحديات المرأة الكاتبة في المشهد الثقافي العربي. تسلط الحوار الضوء على قضايا الحرية الإبداعية والرقابة الثقافية والتوازن بين الهوية الوطنية والطموح العالمي.
غالية الدعيع
روائية وناقدة أدبية سعودية
في مقالاتك النقدية، تشيرين بحدة إلى أن الرواية العربية أصبحت أكثر حذراً وأقل جرأة في تناول القضايا الاجتماعية. هل هذا انعكاس لواقع الرقابة الذاتية أم أن الأدب العربي فقد شهيته للمخاطرة؟
الرقابة الذاتية هي الأخطر، لأنها تعيش داخل الكاتب قبل أن تعيش خارجه. الروائي العربي اليوم يكتب وهو يراقب نفسه على عدة مستويات: المستوى الديني، القومي، الاجتماعي، والشخصي. هذا التصادم بين الرغبة في الكتابة الحرة وبين الخوف من الأصوات التي ستنتقد العمل يجعل الكثير من رواياتنا آمنة لكنها غير مثيرة للفضول الحقيقي. نحتاج لروائيين يمتلكون الشجاعة الكافية لطرح أسئلة بدون إجابات جاهزة.
كيف تقيّمين واقع المرأة الكاتبة في المشهد الأدبي العربي؟ هل تشعرين أنكن أقل تقديراً أم أن المعايير مختلفة تماماً؟
المعايير مختلفة بشكل مؤلم. عندما تكتب امرأة عن الحب أو العائلة، يقال إنها تكتب عن قضايا نسوية ضيقة. لكن عندما يكتب رجل عن نفس القضايا، يُعتبر ذلك عمقاً إنساناً. هناك أيضاً توقعات غريبة من الكاتبة أن تكون ممثلة لجميع النساء، بينما الكاتب الرجل يُعتبر صوتاً فردياً شخصياً. لا أقول إن الأمر أسوأ مما كان في الماضي، بل تغير شكل التمييز فقط.
هناك من يرى أن اهتمام الإعلام الغربي برواياتنا يأتي من منطلق استشراقي بحت. كيف تتعاملين مع هذا الجدل حول تسليع الأدب العربي والسعي وراء الجوائز الدولية؟
هذا سؤال عادل لكنه أيضاً فخ. نعم، هناك منطلقات استشراقية في اهتمام الغرب بأدبنا، لكن هذا لا يلغي أن هناك قراء حقيقيين يبحثون عن قصص إنسانية صادقة. الفرق بين التسليع والاعتراف الحقيقي رقيق جداً. أنا لا أكتب للجوائز، لكنني أيضاً لا أنكر أن الاعتراف الدولي يفتح أبواباً للحوار الحقيقي. المهم أن تبقى لسانك حراً في ما تختارين كتابته.
في السنوات الأخيرة، ظهرت أصوات أدبية شابة جديدة في السعودية والخليج. هل تشعرين أن هناك تجديداً حقيقياً أم أنها تكرار بأسماء جديدة؟
هناك بالفعل أصوات مختلفة تحاول أن تكسر القوالب، خاصة في الكتابة الرقمية والنصوص القصيرة. لكن ما أفتقده هو الرواية الطويلة التي تتحمل وزن السؤال الكبير. الشباب يكتبون بحرية أكثر من أجيالنا، هذا صحيح، لكن الحرية وحدها لا تكفي. تحتاج إلى صبر، إلى قراءة عميقة، إلى فهم للتاريخ والسياق. آمل أن نرى روايات طويلة جريئة من هذا الجيل خلال السنوات القادمة.
كيف تأثر الوضع السياسي والاجتماعي في المنطقة على أسلوبك وخيارتك الأدبية كمبدعة؟ هل تشعرين بمسؤولية سياسية كمرأة عربية كاتبة؟
الأدب بطبعه سياسي، حتى لو لم يقصد الكاتب ذلك. اختياراتك حول من تمنحين الصوت، من تجعلين محوراً للحكاية، هذا كله سياسي. أنا لا أكتب بيانات سياسية، لكنني أكتب عن الحياة اليومية للناس الذين يعيشون في سياق معين. هناك مسؤولية، لكنها مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة أكثر منها التزام حزبي أو أيديولوجي محدد.
ما رأيك في ظاهرة التكييف الثقافي والنسخ المحلية من الأعمال الأجنبية الناجحة؟ هل هذا تطور إيجابي أم انعكاس لأزمة الإبداع الأصلي؟
هناك فرق بين التكييف والتقليد. التكييف الحقيقي يأخذ نواة الفكرة لكن يعيد بناءها بشكل أصيل يعكس واقع بيئة مختلفة. لكن ما نراه غالباً هو نقل آلي بدون فهم عميق. المشكلة أن الاستثمارات تذهب للمشروع الآمن المجرب، وليس للمشروع الأصلي الجديد. هذا يعكس حقيقة أن سوقنا الثقافي بعيد كل البعد عن أن يكون ريادياً.
هناك انتقادات موجهة لكِ بأن كتاباتك أحياناً قاسية وغير متوازنة. كيف تردين على من يقول إن النقد الأدبي يجب أن يكون أكثر رحمة؟
الرحمة في النقد تكون بالصدق، وليس بالمجاملة. عندما تقولين لكاتب أن عمله ضعيف لكن بكلمات لطيفة، أنت تخدعينه. النقد الذي يؤلم هو الذي يترك أثراً ويدفع الكاتب للتفكير والتطور. النقد الرحيم أحياناً يكون أداة قتل مستترة. أنا لا أنقد لأجل الألم، لكنني لا أتنازل عن الحقيقة لأجل لطف زائف.
إذا كان لديك خيار أن تحدثي جيل الكتاب والكاتبات الشباب بجملة واحدة، ماذا ستقولين؟
اكتبوا ما يخيفكم، وليس ما يريحكم. الأدب الحقيقي يولد من الخوف من شيء ما، من رغبة ملحة في فهم العالم بطريقة مختلفة. إذا كانت الكتابة آمنة، فهي ليست ضرورية. اكتبوا كأن أحداً لن يقرأ، واكتبوا أيضاً كأن الجميع سيقرأون. هذا التناقض هو حيث يحدث السحر الحقيقي.
