بروفايل: محمد أبو القاسم حاج حمد — المفكر الذي أعاد صياغة العقل الإسلامي بمعادلة جدلية
في معاهد التفسير الأكاديمي حول العالم، يشهد المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد (1942-2004) إحياءً متزايداً من الدراسات الموثقة. وُلد على ضفاف النيل في جزيرة مقرات بأبو حمد عام 1942، وأسس عام 1982 مركز الإنماء الثقافي بأبو ظبي، قبل أن يؤسس لاحقاً دار الدينونة بقبرص لموسوعة القرآن المنهجية. كان المستشار العلمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. لكن إسهاماته الأساسية تركزت على صياغة "منهجية معرفية قرآنية" تقترح جدلاً ثلاثياً بين الغيب والإنسان والطبيعة، رفضاً لكل من المادية الجدلية والتفكير الديني التقليدي معاً.
المسار الزمني
ولادته في جزيرة مقرات بشمال السودان
فصله من الثانوية بسبب تأييده لثورة الكونغو ضد الاستعمار
انضمامه لقيادة حزب الشعب الديمقراطي بالسودان
انتقاله بين الخليج وبيروت، بدء مشروع العالمية الإسلامية الثانية
تأسيس مركز الإنماء الثقافي بأبو ظبي وأول معارض الكتاب العربي المعاصر
ندوة المعهد العالمي لنقاش كتابه "منهجية القرآن المعرفية" بحضور نخبة الفقهاء والعلماء
الحصول على الجنسية الإرترية والسمة الدبلوماسية بعد استقلال إريتريا
وفاته في 20 ديسمبر عن عمر 62 سنة
المشروع الفكري: من السياسة إلى التجديد الديني
بدأ حاج حمد مساره كناشط سياسي شارك في الثورة الإرترية منذ 1963 وتولى مسؤوليات حزبية بعد ثورة أكتوبر 1964. لكن تفرغه الكامل للعمل الثوري ثم انتقاله للبحث الأكاديمي أعاد توجيهه نحو مشروع فكري جديد جذري. بدء في عام 1981 بصياغة ما أسماه "العالمية الإسلامية الثانية"، وهي ليست تجديداً للعالمية الأولى بل "تاريخ حضاري جديد متواصل" يستمد من القرآن منهجه الكلي بشمولية كاملة. اشترط على نفسه التثقيف الذاتي المكثف والحوار مع النظريات الفلسفية الحديثة خاصة البنيوية والشكلانية الروسية.
المنهجية الجدلية الثلاثية: دمج الغيب والواقع
في كتابه الأساسي "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" (1982)، قدم حاج حمد معادلة متكاملة تفترض وجود جدل مستمر بين ثلاث ساحات: الغيب (عالم الروح والوحي)، الإنسان (الوعي والفاعلية)، والطبيعة (الكون والقوانين). بحسب منهجه، القرآن ليس نصاً ثابتاً منغلقاً بل نصاً ديناميكياً قادراً على الاستجابة للمتغيرات الاجتماعية والتاريخية عند التعامل معه بمنهج معرفي معاصر. ركز على "التوظيف الإلهي للغة" حيث تكون المفردة القرآنية مصطلحاً لا يعرف الترادف اللغوي البتة، مما يعطيها دقة مرجعية كونية.
الجدل والنقد الأكاديمي الموثق
واجهت أفكار حاج حمد نقداً حاداً من تيارات الإسلام السياسي الإخواني والسلفي والصحوي. اتهمه منتقدوه بـ "تأريخية النص" حيث ربطه الأحكام بالظروف التاريخية يهدم عموميتها ويجعل المعنى نسبياً. في الندوة التي عقدها المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 1992 لنقاش كتابه، حضرها نخبة من الفقهاء لكن آراؤهم اختلفت: قَبِل به محمد الغزالي وعبد الوهاب المسيري، بينما رفضه آخرون. اتُهم أيضاً بالخلط بين نقد التراث الديني (تفسيرات البشر) وبين النص القرآني المقدس. إلا أن الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي قرأ أفكاره بجدية وانتقده بأدوات فلسفية لا بتجرد عاطفي.
التأثير والإرث الفكري المستمر
منذ وفاته في 20 ديسمبر 2004، شهدت أعماله إحياءً متزايداً في الأوساط الأكاديمية العربية والإسلامية. مركز تفسير للدراسات القرآنية والرابطة المحمدية للعلماء نظما ندوات عن منهجيته. المراكز البحثية المعاصرة تعترف بأن منهجه الجدلي فتح آفاقاً جديدة في قراءة النصوص الدينية والعلاقة بين الثابت والمتغير. رغم كونه لم يحصل على درجة دكتوراه رسمية، إلا أن تأثيره العميق على النقاش الفكري الإسلامي في العقود الثلاث الأخيرة جعله من أهم المفكرين السودانيين الذين ساهموا في تجديد الخطاب الديني العربي.
