فهد الموسى: العلوم الأساسية لن تحقق نقلة حضارية دون استثمار حقيقي في البحث العلمي
في مقابلة حصرية مع الدكتور فهد الموسى، رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية السابق، نناقش التحديات التي تواجه البحث العلمي في العالم العربي والرؤية المستقبلية لتطوير القطاع. يشدد الموسى على ضرورة الاستثمار الحقيقي وتغيير الثقافة المجتمعية تجاه العلوم والابتكار كمحركات أساسية للتنمية المستدامة.
فهد الموسى
الرئيس السابق لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية
الدكتور فهد، كثيراً ما يُقال إن العالم العربي يعاني من فجوة علمية حقيقية مقارنة بالدول المتقدمة. ما أسباب هذه الفجوة برأيك؟
الفجوة حقيقية وليست وهماً، لكن أسبابها معقدة. أولاً، الاستثمار في البحث العلمي في الدول العربية لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي في أفضل الحالات، بينما تستثمر الدول المتقدمة 2-3%. ثانياً، هناك نزوح الكفاءات العلمية، فأعداد كبيرة من الباحثين العرب يعملون بالخارج لعدم توفر البيئة المناسبة محلياً. ثالثاً، الثقافة المجتمعية لم تعط البحث العلمي والعلماء الأولوية التي يستحقونها كما الحال في دول أخرى.
هل تعتقد أن السعودية بمبادراتها مثل رؤية 2030 استطاعت تغيير المعادلة؟ وما مدى تأثير ذلك على البحث العلمي الإقليمي؟
السعودية بذلت جهوداً حقيقية وملموسة من خلال مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وجامعات تتمتع بموارد جيدة. رؤية 2030 وضعت البحث العلمي والابتكار في صميم الاستراتيجية الوطنية، وهذا تحول إيجابي. لكن التأثير الإقليمي سيبقى محدوداً ما لم تتبنَّ الدول العربية الأخرى رؤى مشابهة. الإقليم يحتاج استثماراً موحداً وشراكات علمية حقيقية تتجاوز الحدود الوطنية.
في السنوات الأخيرة برزت موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. هل العرب في السباق أم تأخروا كثيراً؟
للأسف التأخر حقيقي وملحوظ، خاصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. الدول الغربية والصين سيطرت على معظم براءات الاختراع والبحوث الأساسية. هناك محاولات عربية جادة، لكنها تبقى محدودة. السؤال الحقيقي: هل نريد أن نكون مستهلكين لهذه التقنيات أم منتجين؟ الإجابة تتطلب قراراً استراتيجياً واستثماراً ضخماً الآن، وإلا ستزداد الفجوة أماماً.
تحدثت عن استثمار حقيقي. كم يجب أن تستثمر الدول العربية في البحث العلمي لتحقيق نقلة نوعية؟
أولاً، يجب أن ترفع جميع الدول العربية الاستثمار إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل خلال عشر سنوات. لكن الرقم وحده لا يكفي، يجب أن يصحبه تغيير في سياسات التعليم والبحث، وتوفير الحرية الأكاديمية والبيئة المشجعة للابتكار. دول مثل الإمارات والسعودية بدأت هذا الطريق، والآخرون عليهم الاقتداء.
كيف يمكن إعادة العالم العربي المغترب إلى موطنه؟ هل رواتب أعلى كافية أم يحتاج الأمر لشيء آخر؟
الراتب عنصر مهم لكن ليس الوحيد. الباحثون يبحثون عن فرصة حقيقية للعمل على مشاريع ذات قيمة، يريدون الحرية العلمية والاستقلالية في اتخاذ القرارات. يريدون أن يشعروا أن بحثهم سيُنشر ويُقدّر، وأن هناك نظاماً عادلاً وشفافاً. نحتاج إلى خلق نظام بيئي متكامل: راتب جيد + بحث ذو قيمة + استقلالية أكاديمية + معترف به دولياً.
هناك انتقادات موجهة لأن معظم الاستثمارات تركز على التطبيقات العملية بينما تُهمل العلوم الأساسية. أين يجب أن يكون التركيز؟
هذا خطأ استراتيجي كبير. العلوم الأساسية هي الأساس، الاكتشافات العظيمة تأتي من البحث الأساسي. حين تستثمر فقط في التطبيقات، أنت تقول: سأشتري التكنولوجيا من الخارج بدلاً من تطويرها. نحتاج توازناً: 40% علوم أساسية و60% تطبيقات على الأقل. الدول المتقدمة تفهم هذا المعادلة جيداً وتلتزم بها.
ما دورك الحالي في قطاع البحث العلمي بعد تركك موقعك في مدينة الملك عبدالعزيز؟ هل تعتقد أن تأثيرك تضاءل أم تطور بشكل مختلف؟
تركت الدور الإداري لكن الالتزام مستمر. أعمل الآن على مستشارات ومشاريع بحثية وأكاديمية، وأحاول نقل التجربة والدروس إلى قادة البحث العلمي الجدد. التأثير لا يقاس بالموقع الرسمي فقط، بل بالأفكار والرؤى التي تترك بصمة على المسيرة. أعتقد أن هناك الكثير لأساهم به خارج الدولة، في التشبيك الإقليمي والعالمي.
كلمة أخيرة للقادة والمسؤولين العرب حول أولويات البحث العلمي في المرحلة القادمة؟
البحث العلمي ليس رفاهية بل هو ضرورة حتمية للبقاء والتنافسية. المرحلة القادمة ستحسم تاريخ الأمة العربية: إما أن نصير قوة علمية منتجة أو نبقى في الهامش. القادة يجب أن يفهموا أن الاستثمار اليوم في الباحث الشاب، في المختبرات، في الحرية الأكاديمية، هو استثمار في المستقبل. لا يمكن بناء اقتصاد معرفي بدون علماء يقودونه. الوقت لم يعد متاحاً، والقرار يجب أن يكون الآن.
