تستضيف منصة 'جمهرة' اليوم الأستاذ نادر الشافعي، الخبير في الجغرافيا السياسية، في حوار معمق حول التحديات والفرص التي تشكلها التغيرات الديموغرافية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة والعالم. نسعى من خلال هذه المقابلة إلى فهم أبعاد هذه الظواهر وتأثيراتها على مستقبل الشعوب والدول.
الأستاذ نادر الشافعي
أستاذ الجغرافيا السياسية، جامعة القاهرة
الأستاذ الشافعي، في ظل التسارع الملحوظ للتغيرات الديموغرافية في الشرق الأوسط وأفريقيا، ما هي أبرز التحديات الجيوسياسية التي تراها مترتبة على هذه التحولات، خاصة فيما يتعلق بالموارد والصراعات المحتملة؟
التغيرات الديموغرافية، وخاصة النمو السكاني السريع في بعض المناطق، تضع ضغوطاً هائلة على الموارد الشحيحة كالمياه والغذاء. هذا يغذي الصراعات الداخلية والإقليمية، ويزيد من حدة التنافس على النفوذ والموارد. نرى ذلك جلياً في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، حيث تتداخل قضايا المياه مع النزاعات الإثنية والسياسية.
لطالما ركزتم في أبحاثكم على تأثير الحدود الجغرافية والتاريخية على تشكيل الهوية والصراعات. هل تعتقد أن النزاعات الحالية في المنطقة العربية لا تزال تتأثر بشكل كبير بهذه الحدود الموروثة، أم أن هناك عوامل جديدة أكثر تأثيراً؟
الحدود الموروثة لا تزال تلعب دوراً محورياً في كثير من الصراعات، فهي غالباً ما تفصل بين جماعات عرقية أو دينية متداخلة، وتزيد من التوترات. لكن لا يمكننا تجاهل العوامل الجديدة كالتدخلات الخارجية، صعود الحركات غير الدولتية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز الانقسامات. هذه العوامل تتفاعل مع الإرث التاريخي لخلق مشهد معقد.
ظاهرة الهجرة غير الشرعية تتفاقم عالمياً، وتحديداً من المنطقة العربية وأفريقيا نحو أوروبا. كيف تقيمون تأثير هذه الظاهرة على الدول المرسلة والمستقبلة، وما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذه التحركات البشرية الكبيرة؟
الهجرة غير الشرعية تمثل تحدياً متعدد الأوجه. بالنسبة للدول المرسلة، هي نزيف للعقول والطاقات الشابة، وتفاقم لمشاكلها الاقتصادية والاجتماعية. أما الدول المستقبلة، فتواجه تحديات ديموغرافية، أمنية، واجتماعية. السيناريوهات المستقبلية تشير إلى استمرار هذه الظاهرة ما لم يتم معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وقد نشهد سياسات أكثر صرامة من الدول المستقبلة، أو محاولات للتحكم بالحدود بشكل أشد.
بالحديث عن التغير المناخي، كيف ترون تأثيره المتزايد على الجغرافيا السياسية للمنطقة، وما هي التحديات التي يفرضها على الاستقرار الإقليمي والأمن المائي والغذائي؟
التغير المناخي يفاقم التحديات القائمة، فهو يزيد من ندرة المياه، يهدد الأمن الغذائي، ويؤدي إلى نزوح داخلي واسع النطاق. هذه العوامل كلها تزيد من احتمالية الصراعات على الموارد وتدفع الجماعات نحو الهجرة. المناطق الأكثر تضرراً ستكون بؤراً لعدم الاستقرار، مما يؤثر على الجغرافيا السياسية الإقليمية بشكل مباشر وخطير.
بصفتكم خبيراً في الجغرافيا السياسية، ما هي رؤيتكم للمستقبل القريب لمنطقة الشرق الأوسط في ظل التنافس المتزايد بين القوى الإقليمية والدولية؟ وهل هناك فرص لإعادة تشكيل إيجابي للمنطقة؟
الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة تشكيل جيوسياسية عميقة، تتسم بتنافس حاد بين قوى إقليمية ودولية تسعى لفرض نفوذها. هذا التنافس يزيد من حالة عدم الاستقرار. الفرص موجودة في حال تمكنت دول المنطقة من تطوير استراتيجيات داخلية قوية، وتبني مقاربات تعاونية لحل النزاعات، والتركيز على التنمية المستدامة بدلاً من الاعتماد على الصراعات بالوكالة.
في سياق الثورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن لهذه التطورات أن تؤثر على دراسة الجغرافيا السياسية، وهل ستغير من طبيعة الصراعات أو أساليب فرض النفوذ؟
التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، توفر أدوات تحليلية غير مسبوقة لفهم التغيرات الجيوسياسية وتوقعها. لكنها أيضاً تفتح الباب لأنماط جديدة من الصراعات، كالحرب السيبرانية والتأثير على الرأي العام عبر التضليل. سيتغير أسلوب فرض النفوذ ليصبح أكثر اعتماداً على القوة الناعمة والتأثير الرقمي، بالإضافة إلى القوة العسكرية التقليدية.
ما هي الرسالة التي توجهونها للشباب العربي المهتم بدراسة الجغرافيا السياسية، وكيف يمكن لهم أن يساهموا في فهم وتشكيل مستقبل مناطقهم؟
رسالتي للشباب هي أن يتبنوا التفكير النقدي، وألا يكتفوا بالروايات السائدة. الجغرافيا السياسية ليست مجرد خرائط وحدود، بل هي فهم عميق للعوامل البشرية والاقتصادية والتاريخية التي تشكل عالمنا. عليهم أن يطوروا مهارات التحليل والبحث، وأن يكونوا جزءاً فاعلاً في صياغة حلول للتحديات التي تواجه مجتمعاتهم، مع التركيز على التعاون وبناء جسور التفاهم.
هذا حوار متخيّل، يحاكي مقابلة حقيقية استندنا فيها بشكل أساسي إلى مقابلات وتصريحات حقيقية وإلى البيانات المنشورة حول ضيفنا وأعماله.
