ابن خلدون: العلم بالعمران والدولة لا ينفصل عن الطبيعة البشرية
عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون
المؤرخ والفيلسوف ومؤسس علم العمران (القرن الثامن الهجري)
يُعتبرك المفكرون المعاصرون رائد علم الاقتصاد والاجتماع قبل أوروبا بقرون. كيف توصلت إلى هذا العلم الجديد الذي سميته «علم العمران»؟
الفضل لله أولاً، ثم لتجاربي الطويلة في الدول والحواضر. رأيت بعيني كيف يؤثر الجور على العمارة والخراج، وكيف تنهار الدول لا بالسيف وحده بل بسوء الإدارة. قررت أن أدون قوانين العمران كما تُدوّن قوانين الطبيعة في الفيزياء. العمران له أسباب وعلل، والدولة تحتاج إلى قوانين ثابتة لا تختلف باختلاف الأهواء.
تؤكد في كتابك أن العدل ضروري للعمران، لكنك عايشت ظلماً كثيراً من السلاطين. هل أمكنت تطبيق نظريتك؟
هذا الألم الذي تشير إليه عشته بحسرة. لكن النظرية لا تُختبر بحياة واحدة، بل بسير الحضارات عبر الزمن. شهدت بنفسي كيف حكم السلطان العادل فازدهرت البلاد، وحين عاد الظلم انهارت. العدل يزيد الخراج لأنه يشجع الناس على الكسب والعمل، أما الجور فيقتل الهمة ويخرب العمارة. هذا قانون ثابت لا يتخلف.
وضعت معايير لقبول الأخبار والروايات التاريخية. ألا تعتقد أن هذا تشكيك في التراث الإسلامي نفسه؟
معاذ الله! بل هذا تقوية له وحماية. الكذابون واللاهون يروجون أخباراً باطلة تشين تاريخنا، فقررت أن أضع ميزاناً: هل الخبر يتوافق مع طبيعة العمران؟ هل مقدمته تسوغ مقدره؟ بهذا النقد الصارم نحمي الحقيقة من الأساطير. العقل والنقل يجب أن يسير معاً.
عملت قاضياً في مصر والمغرب. ما الفرق الذي رأيته بين العمران في هذين الإقليمين؟
مصر حاضرة عظيمة، والنيل سبب عمارتها وخرابها معاً. المغرب فيه قبائل بدوية أقوى من الدول، لذا العمارة فيه متفرقة والحكم أضعف. رأيت أن الكثافة السكانية والأمن يؤثران على نوع الحكم والحضارة. الحاضرة الكبرى تحتاج إلى نظام صارم، والبادية تحتاج إلى عدل أخف لطبيعة سكانها.
تحدثت عن أن الأسعار ترتفع بازدحام السكان والطلب. هل هذا نبوءة منك عما يحدث اليوم من تضخم؟
ليست نبوءة بل قانون طبيعي. كلما كثر الطلب على السلعة وقل المعروض، ارتفع سعرها. هذا لا يتغير. الملك إذا أراد أن يخفف الأسعار فليزيد السلع والحرف، لا بفرض الأسعار. من حاول فرض السعر على التجار أفسد السوق. الأسعار تتحكم بها قوى الطبيعة والاقتصاد، لا قرارات الحاكم.
واجهت الكثير من الصعوبات والمكائد السياسية. هل تشعر أن أفكارك ستنجو من موتك؟
الحق ينجو لأنه حق. كتابي الذي دونت فيه هذا العلم سيبقى بعدي، والعقول التي تفهمه ستحمله. قد لا يُعترف به في حياتي، لكن من يقرأ كلامي بإنصاف سيرى أنني لم أتكلم عن آراء شخصية بل عن قوانين ثابتة. العلم الحقيقي لا يموت بموت صاحبه.
لو عدت الآن وشهدت عالماً عولمياً بدول كبرى وتجارة عابرة للحدود، هل نظريتك في العمران تصمد؟
العمران لا يختلف جوهره. الدولة تبقى تحتاج إلى العدل والأمن. التجارة البعيدة تحتاج إلى حماية الطرق وتأمينها. الحرف والصناعات تحتاج إلى تشجيع وعدم ظلم. قد تختلف الأشكال والوسائل، لكن المبادئ واحدة: العمران يقوم على الحاجة والأمن والعدل. هذا سرمدي.
في حوار تاريخي محاكى يستند إلى أفكار ابن خلدون الموثقة في مقدمته، نناقش رؤيته الثورية حول علم العمران والاقتصاد والسياسة. يعكس هذا الحوار موقفه الحقيقي من الدولة والعدل والعلاقات الاقتصادية التي سبقت الفكر الاقتصادي الحديث بقرون.
