عبد الرحمن الكواكبي: المفكر الذي حذّر من استبداد الحكام قبل قرن
في هذه المقابلة المحاكاة، نعود إلى أفكار المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر وكتب عن الاستبداد وأثره على المجتمعات العربية. نستعرض رؤيته النقدية للسلطة المطلقة وتأثيره على الحركات الإصلاحية العربية اللاحقة. تكتسب أفكاره أهمية راهنية في ظل النقاشات المعاصرة حول الحكم والديمقراطية في العالم العربي.
عبد الرحمن الكواكبي
مفكر وكاتب ومصلح ديني سوري (1849-1902)
كتابك 'أم القرى' كان فريداً في نقده للاستبداد من منظور إسلامي. لماذا اخترت هذا النمط من الكتابة الخيالية بدلاً من المواجهة المباشرة؟
اختياري للصيغة الروائية والحوار الخيالي لم يكن محض تزيين أدبي، بل ضرورة عملية وفكرية. كتابة المقالة المباشرة ضد السلطة كانت تعني الملاحقة والسجن أو الإعدام، وخاصة في الدولة العثمانية. لكن الأهم أن الاستعارة الفنية تخترق العقل بطريقة لا تستطيعها المواعظ المباشرة. عندما يقرأ القارئ حواراً بين أطباء حول مرض الاستبداد، يرى نفسه في المرآة بدون أن يشعر بأنه يتلقى وعظاً. هذا ما أردته: إيقاظ الضمير الجمعي للأمة دون أن تحتسبني السلطة معادياً مباشراً.
تمييزك بين 'الاستبداد' و'الظلم' كان جريئاً. كيف رأيت الفرق بينهما وتأثيرهما على الشعوب؟
الظلم قد يكون فعلاً واحداً أو قراراً منفرداً، أما الاستبداد فهو نظام حيّ يتنفس ويتطور ويعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. الظالم قد يستيقظ ضميره أو يموت، لكن الاستبداد كنظام يدرّب الشعب على قبول الذل ويحوّل المظلوم نفسه إلى أداة في تثبيت أغلاله. رأيت في القاهرة والشام كيف أن الاستبداد لا يقتصر على القصر بل يتسرب إلى البيت والمدرسة والمسجد. الأب يصبح مستبداً في بيته بتقليد من السلطان، والمعلم يصبح ديكتاتوراً في فصله. هذا الانتشار الشعري للاستبداد في نسيج المجتمع هو ما يجعله أخطر بكثير من الظلم العابر.
لماذا رأيت أن الاستبداد هو 'أم الفساد' و'سبب تخلف الأمم'، بينما ترى بعض المحافظ أن التسلط الحاكم ضروري للنظام؟
من يقول أن الاستبداد ضروري للنظام يخلط بين النظام والخوف. النظام الحقيقي ينبع من احترام الشعب للقانون واقتناعه به، لا من فزعه من السوط. الفساد ينمو في الظلام، وكل استبداد يستلزم إخفاء الحقائق والكذب والرشوة لتسيير آلته. شاهدت بعيني كيف استنزفت البيروقراطية الفاسدة في الدولة العثمانية ثروات الأمة بينما الشعب يتضور جوعاً. الحاكم المستبد يختار مستشاريه من المدّاحين لا من الحكماء، فيعيش في وهم النجاح بينما الأمة تنهار. التقدم يحتاج جرأة الفكر الحر والنقد البناء، وهذا لا يمكن أن يولد تحت نعل الاستبداد.
قلت إن 'الحرية حق طبيعي' في سياق إسلامي. كيف وفقت بين هذا المبدأ والنصوص الدينية التي فسرها البعض لتبرير الطاعة المطلقة للحاكم؟
هذا أحد أكثر الأسئلة التي واجهتني حساسية. النصوص القرآنية صريحة في أن الله خلق الناس أحراراً ولم يرضِ لهم الذل: 'وما خلقناكم عبثاً'. النبي نفسه علّم الصحابة أن يشاوروه ويعارضوه بالحكمة. ما حدث أن المفسرين المتأخرين، بعد الحروب الأهلية والفتن، حاولوا تقديس الطاعة لاستقرار الدولة. لكن هذا تفسير مشروط بالعصر لا معصوم من الله. القرآن يأمر بطاعة الحاكم في المعروف فحسب: 'أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم'. طاعة مشروطة بالعدل. من يأمر بالفحشاء فلا طاعة له. أعدت قراءة النصوص بعيون حرة وقلت للشعوب العربية: الإسلام لا يبرر استبدادك، بل هو يفرض عليك أن تطالب بحقوقك.
انتقدت الجمود العقلي في المؤسسات الدينية الإسلامية. ألم تخافَ من تكفيرك أو اتهامك بالخروج عن الإسلام؟
خفت بالفعل، لكن الخوف على مصير الأمة كان أكبر من خوفي على نفسي. لاحظت أن المدارس الإسلامية الكبرى توقفت عن الاجتهاد وتحجرت حول تراث معين. رجال الدين أنفسهم أصبحوا موظفين عند السلطان، يفتون بما يرضيه. قلت إن الإسلام دين العقل والبحث والحرية الفكرية، وأن إحياء الاجتهاد هو واجب على كل من يحب الإسلام حقاً. نعم، اتُهمت بالزندقة والإلحاد من بعض رجال الدين، لكن العلماء العادلين فهموا قصدي. اضطررت أن أترك سوريا وأعيش في مصر ثم في الحجاز هارباً من الملاحقة، لكنني لم أتراجع عن فكرة واحدة.
في رسالتك إلى الشرقيين، تحدثت عن 'نهضة العقل' كشرط لنهضة الأمة. هل كنت متفائلاً بإمكانية حدوث هذه النهضة في عصرك؟
كنت متفائلاً لكن ليس ساذجاً. رأيت في الشباب العربي جوعاً حقيقياً للمعرفة والتحرر. المطابع بدأت تنتشر، والجرائد بدأت تطرح أسئلة جريئة. لاحظت أن الاستبداد لا يمكن أن يستمر إلى الأبد لأنه يتناقض مع طبيعة الإنسان. مهما حاول الحاكم المستبد قمع الفكر، دائماً هناك من يكتب في الظلام ويمرر الفكرة للآخرين. لكن تفاؤلي كان مشروطاً: النهضة تحتاج جهداً طويلاً وليست آنية. تحتاج أفراداً يضحون بأنفسهم بلا انتظار للثمار. كنت أأمل أن يأتي الجيل الذي يجني ما زرعناه، حتى لو لم أره بعيني.
تعرضت للسجن والملاحقة طوال حياتك. هل شعرت بالندم على اختيارك المعارضة بدلاً من السلام مع السلطة؟
لا ندم على الإطلاق. نعم، عانيت من البعد عن الأهل والحبس والفقر والمرض، لكن ضمير الرجل الذي اختار الحق على المصلحة الشخصية لا يعذبه الندم بل يمنحه سلام داخلي عميق. رأيت آخرين اختاروا الاستقرار والمال والمنصب بمقابل صمتهم عن الحق، وشاهدت البؤس في عيونهم. الكرامة الحقيقية لا تُشترى بالراتب أو المقام. تحررت من أعظم سلاح يملكه الاستبداد وهو الخوف من الفقر والموت. من يتحرر من هذا الخوف فقد حقق أعظم حرية. ربما لن أرى ثمار ما زرعته في حياتي، لكن أن أموت كرجل لم ينحنِ أفضل من أن أعيش عبداً منحنياً.
إذا عاد بك الزمن للأمس، هل كنت ستكتب كتبك بالطريقة ذاتها أم أنك ستختار أسلوباً أكثر براغماتية يسمح لأفكارك بالانتشار بأمان؟
هذا سؤال حكيم. أعتقد أنني سأختار الطريقة نفسها لكن مع مزيد من الحنكة السياسية. كنت سأحاول بناء شبكة أعلم أوسع من التلاميذ والناشرين والمثقفين قبل نشر أعمالي الأكثر جرأة. كنت سأختار الحجاز كقاعدة آمنة قبل سوريا مباشرة. لكن الفكرة الأساسية لا يمكن أن أتنازل عنها. البراغماتية التي تقتل الحقيقة ليست براغماتية بل خيانة. التاريخ يحكم على من كافحوا بصدق حتى لو فشلوا، وينسى من عاشوا آمنين لكن بدون أثر.


