الروائي محمود عبدالشافي: الأدب العربي يحتاج ثورة حقيقية وليس تطبيقات
في حوار صريح مع منصة جمهرة، يناقش الروائي والناقد المصري محمود عبدالشافي أزمات الرواية العربية المعاصرة، والدور الجديد للأديب في عصر وسائل التواصل. يكشف عن رؤيته النقدية الجريئة حول ما يسميه "الأدب السلعة" وموقفه من الحركات الأدبية الحالية.
محمود عبدالشافي
روائي وناقد أدبي مصري
تتحدث دائماً عن أزمة الرواية العربية المعاصرة. ما هي هذه الأزمة بالتحديد، وهل هي أزمة حقيقية أم مبالغ فيها؟
الأزمة حقيقية وملموسة جداً. نحن نشهد انفصالاً كاملاً بين ما ينتجه الروائيون الشباب وبين واقع القارئ العربي الفعلي. الرواية أصبحت سلعة تُكتب للجوائز والتصنيفات الدولية، لا لقارئ حقيقي. المشكلة أننا نتحدث بلغة نخبوية منقطعة عن الشارع، بينما القارئ العربي يبحث عن قصة تلمسه وتحدثه بصدق. هذا ليس تراجعاً في الكمية، بل في الأصالة والارتباط بالحياة اليومية.
كيف ترى دور منصات التواصل الاجتماعي في صناعة الأدب والأديب؟ هل هي فرصة حقيقية أم تهديد؟
هي سلاح ذو حدين، لكن الحد الخطر أكثر حدة. المنصات الرقمية أتاحت لأصوات جديدة أن تُسمع، وهذا إيجابي جداً. لكن من جهة أخرى، خلقت ثقافة الاستهلاك السريع، حيث يُقاس نجاح العمل الأدبي بعدد الإعجابات والتعليقات. هذا يدفع الأديب نحو الكتابة السطحية الخفيفة، بدلاً من الغوص العميق. الأدب الحقيقي يحتاج وقتاً وتأملاً، والتواصل الاجتماعي يقتل كليهما.
هناك من يقول إن الأدب العربي تحت سيطرة دور نشر قليلة ومسارات نقدية محددة سلفاً. هل توافق على هذا الرأي؟
أوافق تماماً، والأمر أسوأ مما يتصور معظم الناس. هناك كارتل غير معلن من الناشرين والمحررين والنقاد يتحكمون بالمشهد الأدبي الرسمي. إذا لم تكن علاقتك بهؤلاء الأشخاص جيدة، فرواياتك قد لا ترى النور أصلاً. هذا يخنق الإبداع ويفرض نمطاً واحداً. نحتاج ثورة حقيقية من خلال دور نشر مستقلة وحركات أدبية تتمرد على هذه السلطة.
كتاباتك تتناول قضايا سياسية واجتماعية مباشرة. هل تشعر بضغوط في مصر أو العالم العربي لتخفيف هذا الجرأة؟
الضغوط موجودة بأشكال متعددة، ليست دائماً رسمية مباشرة، بل ضغوط اجتماعية واقتصادية أشد خطورة. قد تُرفض روايتك من دار نشر لأنها تلمس موضوعاً حساساً. قد تواجه انتقادات عنيفة على وسائل التواصل. قد تفقد فرصاً اقتصادية. لكن كروائي، أعتقد أن الالتزام بالحقيقة أهم من أي شيء آخر. إذا خفتنا من الكتابة، فنحن بلا رسالة.
ما رأيك في الترجمات الأجنبية للأدب العربي؟ هل تساعد الأديب العربي أم تهمشه أكثر؟
الترجمة فرصة ذهبية لكنها محدودة جداً. الحقيقة أن الأدب العربي يُترجم أقل بكثير من أدب دول أوروبية صغيرة. هناك تحيز واضح في الأوساط الأدبية الغربية ضد العربي والشرقي عموماً. عندما تُترجم رواية عربية، غالباً ما تكون الروايات التي تقدم صورة معينة عن العالم العربي—الصراع، الفقر، الاضطهاد. نادراً ما نجد روايات عربية تُرجمت تتحدث عن الحياة اليومية الطبيعية أو الفرح. هذا ينعكس على كيفية فهم الغرب لنا.
إذا عادت الدنيا بك، هل كنت ستختار أن تكون روائياً أم ستختار طريقاً آخر؟
هذا سؤال عميق. صراحة، كنت سأختار الكتابة نفسها، لكن ربما بطريقة مختلفة. ربما كنت سأركز على الصحافة الحقيقية أو الكتابة الحوارية. الرواية تعطيك حرية لكنها تعطيك أيضاً وحدة معزولة. الآن أشعر أنني أريد أن أكون في الشارع أكثر، في النقاشات الحقيقية مع القراء. الأدب في النهاية هو تواصل، وليس أداة للعزلة أو الشهرة.
ما هي نصيحتك للروائيين الشباب الذين يريدون صنع اسم لأنفسهم في المشهد الأدبي العربي؟
نصيحتي بسيطة: لا تكتب لتُرضي أحداً. اكتب لأنك مضطر، لأن لديك شيئاً يجب أن يُقال. اقرأ كثيراً، لا سيما الكتب القديمة والمنسية، ليس الكتب الموضة. لا تبحث عن اختصارات مع الناشرين أو النقاد. ابنِ جمهورك الخاص بصبر. وأهم شيء: لا تيأس من الفشل. الفشل هو المعلم الوحيد الحقيقي.
ماذا عن مشاريعك القادمة؟ هل تعمل على رواية جديدة؟
أنا أعمل على عدة مشاريع في نفس الوقت. رواية جديدة تتعلق بالهجرة واللجوء، لكن من منظور مختلف تماماً عما رأيناه. أيضاً أفكر في مجموعة قصصية قصيرة جداً، تجربة شكل جديد. والمشروع الذي يثيرني أكثر الآن هو عمل غير روائي، كتاب حوارات مع كتاب عرب شباب عن الكتابة والحياة. أريد أن أسجل هذه الشهادات قبل أن يتغير كل شيء.

