فاطمة المرنيسي: الإسلام والنسوية والحرية الفكرية في العالم العربي
مقابلة حصرية مع الباحثة والمفكرة المغربية فاطمة المرنيسي، التي كرست حياتها لدراسة أوضاع النساء في المجتمعات الإسلامية وتفكيك الخطابات الذكورية. تستعيد المرنيسي رحلتها الفكرية النضالية وتعالج أسئلة الحرية والهوية في سياق معاصر.
فاطمة المرنيسي
باحثة وكاتبة وأستاذة جامعية، جامعة محمد الخامس، الرباط
بدأتِ مسيرتكِ الفكرية في فترة حساسة من تاريخ المغرب والعالم العربي. كيف شكّلت البيئة الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة رؤيتكِ النقدية؟
نشأتُ في بيئة محافظة لكن منفتحة فكرياً، عائلتي لم تكن تحجب النساء لكن المجتمع كان يفرض قيوده بطرق خفية. عندما ذهبتُ للدراسة في باريس درستُ علم الاجتماع وواجهتُ صدمة ثقافية إيجابية، اكتشفتُ أن الأسئلة التي أطرحها عن الحرية والجسد والحق لا تُعتبر كفراً بل تحقيقاً علمياً شرعياً. عدتُ للمغرب مصممة على إثبات أن النسوية ليست استيراد غربي بل هي حقيقة إسلامية مُهملة.
في كتابكِ 'الحريم السياسي'، حللتِ كيف استُخدم الحجاب والحريم كأداة للسيطرة. هل تعتقدين أن النقاش حول الحجاب اليوم لا يزال عالقاً في نفس الإشكاليات؟
الحجاب نفسه ليس المشكلة، بل الإكراه والقهر والتفسيرات الذكورية هي المشكلة. ما أردتُ إثباته هو أن التاريخ الإسلامي لم يعرف حجاباً موحداً وأن الآيات القرآنية حول الزينة والحشمة تمّ تفسيرها بطريقة منحازة. اليوم النقاش بات أكثر تعقيداً، بعض النساء يخترن الحجاب وهذا حقهن، لكن يجب أن يكون اختياراً حراً وليس فرضاً، والمشكلة أننا ما زلنا لا نفرق بين الاختيار الحقيقي والاختيار المشروط بالضغط الاجتماعي والعائلي.
تواجهين انتقادات شديدة من طرف محافظين يرون في أعمالكِ تهديداً للهوية الإسلامية. كيف تردين على من يقول إن نسويتكِ مستوحاة من الغرب؟
هذا الاتهام في حد ذاته دليل على أن النقاد لم يقرأوا أعمالي بعناية. أنا أستشهد بالقرآن والسنة والتاريخ الإسلامي المبكر، أتحدث عن خديجة التاجرة وعائشة التي رويت آلاف الأحاديث وأم سلمة التي أشارت على النبي. الإسلام لم يكن ضد النساء في أصله، الذكوريين هم من صنعوا هذا التفسير. أما الغرب فله نسويته ونحن لنا نسويتنا. أنا أستخدم الأدوات الحديثة والعلمية لكن قضيتي جذورها عميقة في تاريخنا الخاص.
كتابكِ 'ما وراء الحجاب' استقصى الحياة الخاصة للنساء المسلمات. هل تعتقدين أن هناك فرقاً بين الحياة الخاصة والعامة بالمعنى الذي كنتِ تقصدينه، أم أن هذا التمييز نفسه ذكوري؟
السؤال حساس جداً. الفصل بين العام والخاص هو فصل ذكوري بامتياز، لأنه يترك النساء في المجال الخاص محرومات من القرار والسلطة. لكني في الكتاب أردتُ أن أُظهر أن النساء حتى داخل الحريم لديهن قوة وإرادة وسياسة خاصة بهن. لم أكن أقول إن هذا الوضع عادل، بل أردتُ أن أفهم كيف تبني النساء هامشياً مقاومة وكياناً داخل نظام قمعي. اليوم يجب أن نسقط هذا الفصل تماماً وندعو لمشاركة حقيقية للنساء في السلطة والعلم والاقتصاد.
تحدثتِ كثيراً عن الخوف كآلية اجتماعية. هل ترين أن الخوف لا يزال الأداة الأساسية للسيطرة على النساء في المجتمعات العربية؟
الخوف والخجل والعار، ثالوث قوي جداً في السيطرة على الأنثى. نحن نعلّم البنات الخجل منذ الطفولة بينما نعلم الأولاد الجرأة. الخوف من الشارع، من الرجل، من الفضيحة، من الله حتى—وهذا الأخير مؤلم جداً لأنه يجعل الدين نفسه أداة قمع. نعم، هذا لا يزال موجوداً لكن هناك تمردات جميلة اليوم، شابات يرفضن هذا الخوف. التحديث الحقيقي يعني تحرير النساء من الخوف وجعلهن قادرات على اتخاذ قرارات واعية عن حياتهن.
هناك انتقاد معاصر يقول إن النسوية الليبرالية لم تحقق المساواة حتى في الدول الغربية. كيف ترين أفق النسوية في السياق العربي؟
صحيح أن النسوية الغربية لها محدوديتها وطبقيتها، لكن هذا لا يعني أننا نستسلم. في العالم العربي نحتاج لنسوية متعددة الأوجه: نسوية اقتصادية تركز على الفقر والعمل، نسوية قانونية تُغير قوانين الأحوال الشخصية، نسوية ثقافية تحاور الدين والتراث. المهم ألا نصدّر ولا نستورد، بل نخترع أدواتنا الخاصة. النساء العربيات بدأن يفعلن هذا بشجاعة، من الشارع إلى الجامعة إلى البرلمان، والمستقبل سيكون لهن إذا ما استمررن في السؤال والتمرد.
ما هو أعظم حزن واجهتِه خلال مسيرتكِ الفكرية؟ وما هو أعظم أمل؟
أعظم حزن هو رؤية النساء اللواتي أحببتهن يعشن تحت قيود لم تكن ضرورية أبداً. أمي نفسها كانت امرأة قوية لكن المجتمع لم يعطها المساحة. الآن أعظم أملي هو أن أرى جيلاً من النساء العربيات يرفضن الحكايات التي قُيل لهن إنها قدرهن. في كل محاضرة أعطيها، أرى عينات متوهجة من فتيات يسألن أسئلة جريئة ولا يقبلن بالأعذار. هذا هو المستقبل.
هل تعتقدين أن الأزمات الراهنة في العالم العربي—الحروب والفقر والهجرة—تصرف الانتباه عن قضايا النساء، أم أنها تشدد الحاجة لمساراً نسويّاً؟
الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تؤثر على النساء بشكل أقسى بكثير من الرجال، نساء اللاجئات والأرامل والفقيرات. لا يمكن أن نقول إننا ننتظر انتهاء الحروب ثم نبدأ بالحديث عن حقوق النساء. العكس صحيح تماماً: مجتمع لا ينصف نساءه لن يحقق سلاماً حقيقياً. السلام الحقيقي يأتي عندما تشعر الأنثى أنها آمنة وحرة وكرامتها محفوظة، بدءاً من البيت ومروراً بالشارع والقانون. النسوية ليست رفاهية بل ضرورة حتمية للتنمية والاستقرار.

